ابن أبي الحديد

59

شرح نهج البلاغة

رأيناها راجعة الا رأينا معها مثل ذلك ، وان كنا لا نفصل في مرأى العين بينها وبين أخواتها ، فإنه ليس يقع في القلب غير الذي ، قلنا فدلنا ذلك على أنها في رجوعها عن الجرادة انها إنما كانت لأشباهها كالرائد الذي لا يكذب أهله . قال أبو عثمان ولا ينكر قولنا إن الذرة توحي إلى أخواتها بما أشرنا إليه الا من يكذب القرآن ، فإنه تعالى قال في قصة سليمان ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها ) ( 1 ) فهل بعد هذا ريب أو شك في إن لها قولا وبيانا وتمييزا . فان قلت فلعلها مكلفة ، ومأمورة ومنهية ، ومطيعة وعاصية قيل هذا سؤال جاهل ، وذلك أنه لا يلزم أن يكون كل ذي حس ، وتمييز مكلفا مأمورا منهيا ، مطيعا عاصيا ، لان الانسان غير البالغ الحلم قد يحفظ القرآن وكثيرا من الآثار ، وضروبا من الاخبار ، ويشترى ويبيع ، ويخدع الرجال ويسخر بالمعلمين ، وهو غير مكلف ولا مأمور ، ولا منهي ولا عاص ولا مطيع ، فلا يلزم مما قلناه في الذرة أن تكون مكلفة ( 2 ) . قال أبو عثمان ومن عجيب ما سمعته من أمر النملة ، ما حدثني به بعض المهندسين عن رجل معروف بصنعة الأسطرلابات ( 3 ) ، انه أخرج طوقا من صفر - أو قال من حديد - من الكير ، وقد أحماه ، فرمى به على الأرض ليبرد ، فاشتمل الطوق على نملة ، فأرادت أن تنفر يمنة فلقيها وهج النار ، فأخذت يسر فلقيها وهج النار ، فمضت قدما فكذاك ، فرجعت إلى خلفها فكذلك ، فرجعت إلى وسط الدائرة ، فوجدها قد ماتت في موضع رجل البركار ( 4 ) من الدائرة ، وهذا من العجائب . قال أبو عثمان وحدثني أبو عبيد الله الأفوه ، وما كنت أقدم عليه في زمانه من مشايخ

--> ( 1 ) سورة النمل 18 ، 19 . ( 2 ) الحيوان 4 : 5 وما بعدها . ( 3 ) الأسطرلابات : جمع أسطرلاب ، وهي آلة يعرف بها الوقت ، انظر شفاء الغليل للخفاجي : 51 . ( 4 ) البركار : اسم لالة معروفة . قال صاحب شفاء الغليل : هو معرب ( فرجار ) . وقال : إنه لم يرد في شعر قديم .